حسن بن عبد الله السيرافي
274
شرح كتاب سيبويه
بعدهنّ من الأسماء ما أحدثت ( إنّ وكان ) وأشباههما لأنهما من الحروف التي تدخل على المبتدأ والمبني عليه ، فلا تغيّر الكلام عن حاله ، وسأبين لك كيف ذهب الجزاء فيهنّ إن شاء اللّه . فمن ذلك قوله : أتذكر إذ من يأتينا نأتيه ، وما من يأتينا نأتيه ، وأما من يأتينا فنحن نأتيه . وإنما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه ، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول : أتذكر إذ إن تأتنا نأتك ، كما لم يجز أن تقول : إنّ إن تأتنا نأتك ، فلما صار هذا الباب باب ( إنّ وكان ) كرهوا الجزاء فيه ، وقد يجوز في الشعر أن يجازى بعد هذه الحروف ، فيقول : أتذكر إذ من يأتنا نأته ، وإنما أجازوه لأنّ ( إذ ) وهذه الحروف تغير ما دخلت عليه عن حاله قبل أن تجيء بها ، فقالوا : ندخلها على من يأتنا نأته ، وتغيّر الكلام ، كأنا قلنا : من يأتنا نأته ، كما أنا إذا قلنا : إذ عبد اللّه منطلق كأنا قلنا : عبد اللّه منطلق ؛ لأنّ ( إذ ) لم تحدث شيئا لم يكن قبل تذكرها . فقال لبيد : على حين من تلبث عليه ذنوبه * يجد فقدها وفي المقام تدابر " 1 " ولو اضطر شاعر فقال : أتذكر إذ إن تأتنا نأتك جاز له ، كما كان في ( من ) وتقول : أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته ، فنحن فصلت بين ( إذ ) و ( من ) ، كما فصل الاسم في كان بين ( كان ) و ( من ) . وتقول : مررت به فإذا من يأتيه يعطيه . وإن شئت جزمت لأن الإضمار يحسن هاهنا ، ألا ترى أنك تقول : مررت به فإذا أجمل الناس ، ومررت به فإذا أيّما رجل . فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت : فإذا هو من يأته يعطه ؛ فإن لم تضمر ، وجعلت إذا هي لمن ، فهي بمنزلة ( إذ ) لا يجوز فيها الجزم . وتقول : لا من يأتك تعطه ولا من يعطك تأته من قبل أن ( لا ) ليست كإذ وأشباهها ، لأنها لغو بمنزلة ( ما ) في قول اللّه - تبارك وتعالى - فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ " 2 " فما بعده كشيء ليس قبله لا ، ألا تراها تدخل على المجرور فلا تغيّره عن حاله ، تقول : مررت برجل لا قائم ولا قاعد ، وتدخل على النصب فلا تغيره عن حاله
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 217 ؛ الخزانة 3 / 649 ؛ الكتاب 3 / 75 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 159 .